لبيب بيضون

485

موسوعة كربلاء

أبيها ليلا ونهارا . وكان أهلها كلما طلبته يقولون لها : هو في السفر ، وغدا يأتي ومعه ما تطلبين . إلى أن كانت ليلة من الليالي ، فرأت أباها بنومها . فلما انتبهت صاحت وبكت وانزعجت ، وقالت : ائتوني بوالدي وقرة عيني ، فإني رأيته الساعة في المنام مضطربا شديدا . وكلما حاول أهل البيت عليه السّلام إسكاتها ازدادت حزنا وبكاء . فعظم ذلك على أهل البيت عليه السّلام ، فضجّوا بالبكاء وجددوا الأحزان ، ولطموا الخدود ، وحثوا على رأسهم التراب ، ونشروا الشعور ، وقام الصياح . فانتبه يزيد من نومه ، وقال : ما الخبر ؟ . قالوا : إن بنت الحسين الصغيرة رأت أباها بنومها ، فانتبهت وهي تطلبه وتبكي وتصيح . فلما سمع يزيد ذلك قال : ارفعوا رأس أبيها ، وحطّوه بين يديها ، لتنظر إليه وتتسلى به . فجاؤوا بالرأس الشريف إليها في طبق مغطى بمنديل ديبقي ، ووضعوه بين يديها . فقالت : ما هذا ؟ . إني طلبت أبي ولم أطلب الطعام ! . فقال : إن هناك أباك . فرفعت المنديل ورأت رأسا ، فقالت : ما هذا الرأس ؟ . قالوا لها : إنه رأس أبيك . فرفعته من الطشت وضمّته إلى صدرها وهي تقول : يا أبتاه من ذا الّذي خضّبك بدمائك ؟ . يا أبتاه من ذا الّذي قطع وريدك ؟ . يا أبتاه من ذا الّذي أيتمني على صغر سني ؟ . يا أبتاه من بقي بعدك نرجوه ؟ . يا أبتاه من لليتيمة حتى تكبر ؟ . يا أبتاه من للنساء الحاسرات ؟ . يا أبتاه من للأرامل المسبيّات ؟ . يا أبتاه من للعيون الباكيات ؟ . يا أبتاه من للضائعات الغريبات ؟ . يا أبتاه من للشعور المنشرات ؟ . يا أبتاه من بعدك وا خيبتنا ! . يا أبتاه من بعدك وا غربتنا ! . يا أبتاه ليتني كنت لك الفدى . يا أبتاه ليتني كنت قبل هذا اليوم عميا . يا أبتاه ليتني وسّدت الثرى ، ولا أرى شيبك مخضبا بالدما . ثم إنها وضعت فمها على فمه الشريف ، وبكت بكاء شديدا حتى غشي عليها . فلما حركوها فإذا بها قد فارقت روحها الدنيا . فلما رأى أهل البيت عليه السّلام ما جرى ، ارتفعت أصواتهم بالبكا ، وتجدد الحزن والعزا ، ومن سمع من أهل الشام بكاءهم بكى . فلم ير في ذلك اليوم إلا باك وباكية .